محمد الداوودي

49

طبقات المفسرين ( داودي )

معزوا إلى أصوله وصحابته ، مع شدة استحضار له وقت إقامة الدليل ، وفاق الناس في معرفة الفقه واختلاف المذاهب ، وفتاوى الصحابة والتابعين ، بحيث أنه إذا أفتى لم يلتزم بمذهب بل بما يقوم دليله عنده ، وأتقن العربية أصولا وفروعا وتعليلا واختلافا ، ونظر في العقليات ، وعرف أقوال المتكلمين ، وردّ عليهم ، ونبه على أخطائهم ، وحذّر منهم ، ونصر السنة بأوضح حجج وأبهر براهين . وأوذي في ذات اللّه من المخالفين ، وأخيف في نصر السنة المحضة ، حتى أعلى اللّه مناره ، وجمع قلوب أهل التقوى على محبته والدعاء له ، وكبت أعداءه ، وهدى به رجالا من أهل الملل والنحل ، وجبل قلوب الملوك والأمراء على الانقياد له غالبا ، وعلى طاعته ، وأحيا به الشام ، بل الإسلام ، بعد أن كاد ينثلم بتثبيت أولي الأمر لما أقبل حزب التتر والبغي في خيلائهم ، فظنت باللّه الظنون ، وزلزل المؤمنون ، واشرأبّ النفاق وأبدى صفحته ، ومحاسنه كثيرة ، وهو أكبر من أن ينبه على سيرته مثلي ، فلو حلفت بين الركن والمقام ، لحلفت : أني ما رأيت بعيني مثله ، وأنه ما رأى مثل نفسه . قال الذهبي : وقد قرأت بخط شيخنا العلامة كمال الدين بن الزملكاني ، ما كتبه سنة بضع وتسعين تحت اسم « ابن تيمية » كان إذا سئل عن فن من العلم ظن الرائي والسامع : أنه لا يعرف غير ذلك الفن ، وحكم أن أحدا لا يعرفه مثله . وكان الفقهاء من سائر الوظائف إذا جالسوه استفادوا في مذاهبهم منه أشياء كثيرة ، ولا يعرف أنه ناظر أحدا فانقطع معه ، ولا تكلم في علم من العلوم - سواء كان من علم الشرع أو غيره - إلا فاق فيه أهله ، واجتمعت فيه شروط الاجتهاد على وجهها . وأما تصانيفه رحمه اللّه فهي أشهر من أن تذكر ، وأعرف من أن تنكر .